عقلة الإصبع
كان يا مكان.. يا سادة يا كرام.. ولا يحلو الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام.. كان هناك ملك عظيم له من الأبناء ثلاثة وابنة واحدة.. يتصف بالحكمة والرحمة والعدل.. وكانت مملكته مترامية الأطراف يزرع في أراضيها أندر الفاكهة والزهور والأشجار ويتباهى بفنون الزراعة لديه..
ونباتاته منها المتحرك ومنها المتكلم ومنها المنير.. أفاض الله عليه بنعمة حب الجميع.. ولكن الكارثة في وزيره اللئيم الذي شغل باله بالسفر من بلد لبلد لجلب نوادر الكائنات الحية من نبات أو حيوان حتى هرم الملك وبدا عليه المشيب وأرهقه كثرة الترحال من بلد لبلد.. ولكن وزيره كان دائمًا يستغل ضعفه أمام مقتنياته.. وكان الأبناء يعملون بالمملكة يهتمون بأمور العباد والبلاد.. أما الأميرة فتهتم بمقتنيات القصر والخدم..
وفي ذات يوم خرجت الأميرة من قصرها إلى المزارع تنعم بجمال الطبيعة فاستوقفها شاب قوي البنيان عالي الهمة فتعرَّفت عليه وتعرَّف عليها وعلمت منه أنه شاب فقير لأبٍ حكيم.. يعظ الناس ويوقظ ضمائرهم.. فوقعت الأميرة في حب الفتى ووقع في حبها..
وشعر الأب بأن هناك تغيرًا ما طرأ على ابنته وبسؤاله لها حكت له قصة الشاب وشعورهما تجاه بعضهما.. فأطرق برأسه وأخذ يفكر في الأمر الجلل وتركها مع ابتسامة باهتة لم تفهم منها الأميرة شيئًا..اجتمع مع وزيره وأفصح له عن أمر ابنته ليشير عليه بالرأي الصائب..
فدلَّه الوزير على وجود نوع من الببغاء المتكلم نادر الوجود وموطنه الأصلي مملكة أنجازيا.. من يحصل عليه يتحول من إنسان عادي إلى أمير وبذلك يكون هذا الشاب أميرًا من الأمراء مكافئًا للأميرة.. ثم أطرق الوزير وقال للملك: إن السفر إلى بلاد أنجازيا مهلك وغير آمن فإن عاد هذا الشاب بالببغاء كانت الأفراح والليالي الملاح وإن لم يعد فيا دار ما دخلك شر..
أُعجب الملك بالفكرة، ووجد فيها حلًّا لمشكلته.. فالسفر يستغرق ثلاثة أسابيع وبعدها يتقرر مصير الأميرة.. وفي اليوم التالي اجتمع الملك مع ابنته وهذا الشاب وأبلغهما أن مهر ابنته هو الإتيان بالببغاء المتكلم النادر وعرفهما أنه ليس بالأمر اليسير ويمكن أن يحمل السفر الهلاك لهذا الشاب.. فرفضت الأميرة هذا المهر المهلك بشدة.. ولكن الشاب وافق عليه بل وأصر عليه..
أنجازيا بلاد بعيده تقع على الساحل الشرقي للبحر الأسود وهي منطقة متنازع عليها والطريق إليها ليس سهلًا.. ولكن الشاب القوي المحب طمأن قلبها وأخذ يتغزل فيها بالشعر ويقول:
إن أحببت أميرة تزين القصور... فلا تقل مهرها كثير
حتى وإن جئت بطير من بين الصخور
أو أتيت بحوت من أعلى البحور
وامتطى جواده وذهب حيث بغيته وكله أمل بأن يحظى بالأميرة.. سافر الشاب حسن النية ممتطيًا جواده الأصيل على أرض بلاده الممهدة ثم انثنى به الطريق إلى بلاد الغربة القريبة ثم البعيدة.. وهناك لم تكن الأرض ممهدة وأحاطت به الأعاصير من كل جانب.. وكلما قطع مسافة استراح معها هو وجواده ثم عاود الترحال..
وما زال الطريق طويلًا.. أنهك السفر قواه ولكنه يركب جواد الأمل والرغبة في بلوغ مناه واقترانه بالأميرة الرقيقة.. ثم فوجئ بريح صرصر عاتية أخذت تحمل الجواد وما عليه يمينًا ويسارًا والشاب يمسك باللجام بكلتا يديه وقد قبض على اللجام ولكن كلما بعدت المسافة بينه وبين بلدته ازداد الأمر صعوبة.. وبمجرد تذكره للأميرة يتجلد ويتحمَّل.. وفجأة وجد نيرانًا تشتعل على جانبيه ثم تخمد وسمع أصواتًا كثيرة من خلفه تناديه: أيها المسافر الباحث أنت مفقود ولن تعود.. وكلما همَّ بجواده ازدادت الأصوات علوًّا.. فنظرإلى الخلف فتدحرج هو وجواده كصخرة حتى استقر وراء شجرة بلا حراك.
ومضى أسبوع وراء أسبوع وشهر وراء شهر حتى تمت ثلاثة شهور ولم يعد الفتى وانقبض قلب الأميرة وذبلت ومرضت وأخذت تردد:
طويت خطواتي والدمع يسيل
حزنا من المآقي على الرفيق
بعد ما شاءت المقادير
أن نلتقي بمنتصف الطريق
وها نحن افترقنا ولم أعد
أراه واحسرتاه على الصديق
وأخذت تبكي وتنتحب حتى فقدت الوعي وانخلع قلب أبيها عليها وأحضر لها الطبيب واحتاروا في علاجها وأصبحت هامدة بلا حراك.. وجاءه الوزير بفكرة شيطانية أخرى بأن إنقاذ الأميرة يتوقف على ذهاب أحد الأمراء الثلاثة إلى بلاد أنجازيا ليأتي بالببغاء النادر ويعود معه الحبيب فتُشفى الأميرة..
ولكن الملك الأب خاف أن يضحي بأحد أبنائه نظير شيء غير مضمون.. فيكفيه ما يراه من مرض أميرته الحبيبة.. ولكن وافق أكبر الأمراء على الذهاب لينقذ أخته فلم يعد يحتمل نومتها هذه وطلب من أبيه أن يدعو له بالتوفيق ويبارك سفره.. فوافق الملك على سفر ابنه وقلبه ينفطر من الخوف عليه..
وامتطى الأمير فرسه وشق طريقه من بلد لبلد ومن صحراء لصحراء ثم أحاطت به ريح عظيمة تقتلع الأشجار من حوله وهو قابض على اللجام وعازم على المواصلة ثم علت الأصوات تناديه: أيها المسافر أيها الباحث أنت مفقود ولن تعود وأخذت الأصوات تعلو من خلفه فنظر إليها فإذا بجواده ينقلب ويتدحرج كحجر صخري وارتمى بجانب شجرة بلا حراك.. ومضت الأسابيع والشهور ولم يعد الأمير وانفطر قلب الأب..
وجاءه الوزير بنفس النصح والملك يرفض.. وسمع صراخه ابنه الأوسط الذي وجَّه اللوم لأبيه ولحب أخته الذي جلب الشؤم للقصر وأهله.. ولكن الأمير الصغير رقَّ قلبه لأبيه وعزم على السفر لعلَّه ينجح فيما فشل فيه غيره..
ولكن قبل سفره أخذ يدرس الطريق إلى أنجازيا وما العقبات التي تعترض طرقها واستعان بعلماء الأرض والبيئة.. حتى حفظ تعليماتهم حفظًا جيدًا.. امتطى حصانه وسلَّم أمره لله وتوكل عليه..
ومضت أيام وأيام وإذا بالريح تشتد وتشتد وتنادي وتنادي أيها المسافر أيها الباحث أنت مفقود ولن تعود.. ولم يلتفت الأمير إلى ضجيج الأصوات وصراخها وظل يسابق الريح ويسد أذنيه عنها.. حتى قابل شيخًا وحكى له سبب مجيئه فأشار إليه بقطرات ماء مسحورة يلقي بها على الحجارة فتنبت الرجال.. وقد فعل ذلك فوجد أخاه وفرح به ووجد الشاب المحبَّ وواصلوا السفر معا حتى وصلوا إلى حديقة غريبة الأطوار تضيء بألوان الطيف وبها أندر الطيور والزهور..
وفي ركن مزركش جميل يجلس الببغاء المتكلم.. حكى لهم قصص الأجداد والملوك فأخذوه ورجعوا به إلى مملكتهم.. وهلَّل الأب فرحًا وسرورًا بقدوم أبنائه ونهضت الأميرة من مرقدها وفرحت بقدوم محبوبها الذي لُقِّب بالأمير.. وعيَّن الملك ابنه الأصغر نائبًا له وخليفته من بعده وتزينت المملكة بالببغاء.. وعزل الملك الوزير الماكر وعاد الفرح والحب والسكينة للمملكة من جديد.
تعليقات
إرسال تعليق